Ultimate magazine theme for WordPress.

ليالي القاهرة || موكب المعز وعظمته «1»

4

تتفرد مدينة القاهرة بسحر خاص، تجذب إليها القلوب قبل العيون، عجز المؤخرون والمستشرقون على وصفها، فكل من يأتى إليها يأبى الرحيل، وكأنها “النداهة” التى تشدو بصوتها العذب لتجذب إليها كل من تخطو قدمه عليها، فهى مزيج من العبقرية والجنون، أما لياليها فلها مذاق خاص، التجوال في شوارعها حتى مطلع الفجر، فهى المدينة التى لا تنام. وعلى مدى شهر رمضان المبارك سنروى حكاية تلك المدينة الساحرة، أم المدن، «القاهرة» سنتحدث عن مساجدها، وكنائسها ومبانيها، وحكايات أشخاص عاشوا فيها، وغزاه وأحباب سنروى حكايتها منذ نشأتها.

تجولنا في الحلقات السابقة داخل قصر المعز لدين الله الفاطمي، وسردنا ما فيه من كنوز وتحف، وكيف بني جوهر القائد مدينة «القاهرة» المحروسة، وكيف حصنها بأسوار عالية تحيطها من كل الجهات، وكيف فتح فيها أبوبًا، كل باب فيها يتميز بصفة خاصة.

وفي هذه الحلقة سنصف سويًا كيف كانت مواكب الخليفة، والأساطير التي تحكي عن تلك المواكب وأشهرها سواء في الأعياد أو المواسم أو الاحتفالات، ومن بين تلك المواكب التي تتميز بالعظمة هو موكب “المعز” في «عيد ركوب فتح الخليج»، والذي يُعد من أعظم الأعياد في مصر، والذي كان يقام حينما يبلغ النيل ارتفاعًا قدره ٢٠ ذراعًا عن مستواه وذلك في بداية الشتاء ما بين شهري أغسطس وسبتمبر، حيث تكون أفواه الترع والجداول مسدودة في البلاد كلها.

وفي ذلك الحين كان يحضر السلطان راكبًا ليفتح النهر “الخليج” وتفتح في هذا اليوم الخلجان والترع الأخرى في سائر المدن، وحينما يقترب هذا الموسم، ينصب السلطان على رأس الخليج “سرادق” عظيم حيث يصنع من الديباج الرومي ومرصع بالذهب، ومكلل بالجواهر، وكان يُعد إعدادًا عظيمًا لا مثيل له، فهو سرادق كبير بحيث يتسع ظله لمائة فارس، وأمام هذا السرادق تكون هناك خيمة من البوفلسون وسرادق آخر كبير، وقبل الاحتفال بثلاثة أيام كان يدق الطبل وتنفخ الأبواق، كما كان يتم ضربي الكؤوس في الإسطبلات حتى تألف الخيول على هذا الصوت.

أما الموكب العظيم فكان يضم ١٠ آلاف فارس، على خيولهم سروج مذهبة وأطواق وألجمة مرصعة بالجواهر، ومصنوعة من الديباج الرومي والبوقامون، والتي يتم نسجها خصيصًا لهذا الاحتفال، حيث تظرز حواشيها باسم سلطان مصر، وعلى كل حصان درع، وعلى قمة السرج خوذة وجميع أنواع الأسلحة، وكذلك تسير جمال كثيرة عليها هوادج مزينة، وبغال هوادجها كلها مرصعة بالذهب والجواهر، وموشاة باللؤلؤ.

ففي يوم “الخليج” يخرج جيش السلطان كله، بجميع فرقه، وأفواجه، وكان لكل جماعة أو فرقة اسم ومنها هناك فرقة تسمى “الكتامين” وهم من مدينة القيروان، والذين أتوا في خدمة المعز وقيل إنهم عشرون ألف فارس، وفرقة تسمى “الباطليين” وهم رجال من المغرب، دخلوا مصر قبل مجىء السلطان إليها، وقيل إنهم ١٥ ألف فارس، وفرقة “المصامدة” وهم مجموعة من الفرسان السود الذين أتوا من بلاد الصامدة، ويقدرون بنحو ٢٠ ألف رجل، وفرقة المشارقة وهم ترك وعجم، وكانوا ضخام الحجم، وفرقة “عبيد الشراء” وهم العبيد المشترون ويقدر عددهم بنحو ٣٠ ألف رجل، وفرقة “البدو” وهم من أهل الحجاز، ويجيدون الحرب بالرماح، ويقدرون بنحو ٥٠ ألف رجل، وفرقة “الاستاذين” وجميعهم من الخدم السود، والذين تم شراؤهم للخدمة، ويبلغ عددهم بـ ٣٠ ألف فارس، هذا بالإضافة على فرقة “السرائيين” وفرقة “الزنوج” وفرق من أبناء الملوك والأمراء ومنهم أولاد ملوك “الكرج” وخاقان تركستان، وأولاد خسرو دهلي.

فهذه هي الفرق التي يتكون منها موكب الخليفة يوم عيد الخليج، أما عن الاحتفال ذاته، وما يحدث خلاله وقبله سيكون حديثنا في الحلقة القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.